الاثنين، 7 مارس 2016

ديانا .. فاجعة ملكية

ديانا .. فاجعة ملكية
************
بقلم د. فتحي عبد العزيز محمد
******************

     بدت ديانا كأميرة أسطورية كما لم يرد في أي أسطورة فتاة رائعة الجمال في يوم زفافها إلي الأمير تشارلز ذلك اليوم الذي شهدته كل أرجاء المعمورة عبر الأقمار الصناعية صورة مشرقة رائعة في ختام قرن شهد حربين عالميتين وشهد أيضا نهاية إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس لكن الفخامة والأبهة الإمبراطورية ظلت باقية علي الأقل في هذا الزفاف الذي قدم للعالم في إخراج يفوق أي تصور سينمائي.

   انتهي الزفاف وودع العروسان الحضور لتبدأ حياة سعيدة كما ظن المشاهدون في حينه, ولأن قصص الأميرات والملوك تبهر الناس في كل زمان ومكان حازت قصة الأميرين  حيزا كبيرا من اهتماماتهم وأدركت وسائل الإعلام ذلك الفضول الانساني فعملت علي اشباعه بملاحقة أخبارهما وخاصة الأميرة ديانا.  وزادت وتيرة متابعة أخبارها بعد الانفصال الذي نشب بين الأميرين في العامين السابقين علي رحيلها.وقد لقيت الأميرة مصرعها وهي تتخفي عن عيون الكاميرات حيث ارتطمت سيارتها بأعمدة أحد أنفاق باريس وكان بصحبتها صديقها المصري محمد الفايد. وكان من المفترض أن تتوقف ملاحقه أخبارها بيد أن ماحدث كان نبعا جديدا تنهل منه وسائل الإعلام وبالتالي تشبع نهم أهل الفضول. و انتقل الأمر إلي الشاشة الفضية لتتناول حياة الأميرة الراحلة وبصفة خاصة خلال العامين الأخيرين في فيلم ديانا وعشقها الأخير. والواقع إن مثل تلك النوعية من الأفلام التي تتناول فترة بعينها في حياة شخص ما تكون غالبا عرضة للفشل المؤكد إن لم تكن موثقة بشكل جيد. فهي في تصوري المتواضع تفصل صاحب القصة من سياق سني عمره التي قد تسهم بكل تأكيد في تفهم مسلكه في اللحظة الآنية.
    اعتمد الفيلم الذي قام بإخراجه الألماني أوليفر شبيجل وكتب السيناريو له ستيفن جيفري علي كتاب بنفس الاسم للكاتبة كيت سينل, وقد استمدت مادته من روايات وشهادات أصدقاء الأميرة. سبقت الفيلم دعاية ضخمة فظهرت اللوحات الإعلانية  تحمل صورة الممثلة نعومي واتس التي قامت بأداء دور ديانا واجتهدت أن تكون نسخة منها. وضعت الإعلانات في كثير من الميادين الأوربية وكان من أبرزها الإعلان الذي أقيم في ذات الموقع الذي تحطمت فيه سيارتها وقد تم رفعه بناء علي أمر وجه إلي الشركة المعلنة. لقد لاقي الفيلم هجوما قبل أن يخرج إلي النور.
  
    يبدأ الفيلم بسماع صوت يعلن عودة جثمان الأميرة إلي أرض الوطن ثم يعود إلي لحظة الحادث في النفق الباريسي وصوت سيارات الشرطة والاسعاف يغمر المشهد المحزن ويعود أكثر إلي لحظة ترك ديانا العشاء الأخير حيث كل العيون تتابعها لتغادر في رفقة دودي وحارسها عبر مصعد جانبي هربا من عدسات المصورين تراجع متتال لمحاولة التغلعل في حياة الأميرة الجميلة. ليعرض لنا الأميرة في قصرها.
 كانت ديانا في العام 1995  علي شفا الطلاق من زوجها الأمير تشارلز ولي عهد المملكة المتحدة تمر بفترة من الاكتئاب وتعاني من الإحساس بالوحدة كما أنه لم يكن بإمكانها ـ إلا فيما ندرـ رؤية ولديها.  وفي محاولة من المخرج هرشبيجل وقد ركز عليها طويلا ليوصل إلي المشاهد هذا الجو الكئيب رغم فخامته نراه يستعرض بوابات القصر وقد بدت كبوابات سجن لا تفتح.. أسوار عالية.. ردهات طويلة ساكنة سكون القبور, وخدم في إشفاق إليها ينظرون كمن يتابع شخصا في طريقه إلي الأبدية. تلتقي ديانا في تلك الظروف الذهنية السيئة الدكتور حسنات خان ( نافين أندروز ) ـ طبيب متخصص في جراحة القلوب ـ أثناء زيارة لها لأحد المرضي بمستشفي من مستشفيات العاصمة .. ليحدث ما يشبه التواصل حيث يشعر كل منهما بميل تجاه الآخر.. معالج القلوب وأميرة القلوب ـ  لتدعوه إلي تناول الطعام معها في شقتها  بالقصر. وبدأ الطبيب يعيش مع الأميرة حالة عشق من نوع خاص فهو يقتبس في حديثه معها أبيات الشاعر جلال الدين الرومي السمو والارتقاء ونصوصا من القران الكريم , وفي مشهد عادي بسيط بعد أن حضرت مع حسنات عملية من عملياته يتحدثان عن وفاة مريض نراها تقول " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة" فيدهش حسنات قائلا هذا قران لتجيبة : كنت استعد لمقابلتك حتي قبل معرفتك هي تحاول أن تقول أن عشقنا مقدورا ـ ثم تصمت لتقول الحقيقةـ درست شيئا عن الاسلام قبل سفري الي الباكستان. هي في تصوري آية قرانية في موضعها وإشارة ذكية من كاتب الحوار إلي  تلك السيارة الحصينة التي لم تجد نفعا.
   تتنامي حالة العشق بين ديانا والطبيب, الذي صار في حالة عدم اتزان ربما زهوا بعشقه وقصته التي تناقلتها الأخبار والحقيقة أنه لم يعاملها أكثر من كونها أمرأة تعشقه ويعشقها كأي اثنين من المحبين, بل بدا في مشهد وهو خارج من قصرها بعد ليلة قضاها معها يتمايل في نزق كمراهق كان في موعد غرام مثمر بينما تشيعه أعين الحراس ـ حسدا أو ضجراـ عند بوابة القصر.
        طالبته ديانا بالزواج حتي تنهي المطاردات الصحفية , قال ليتم ذلك عليهما ان ينتقلا إلي موطنه ترفض لكنها تذهب لتري أسرته في باكستان تقضي وقتا ممتعا مع أهله فرحت بالجميع حتي الأطفال لاعبتهم ولعبت معهم ـ كانت طفولتها مضطربة ـ لم يعجبها موقف أمه التي لم ترحب بها و لم تبارك علاقتها بابنها فهي لها نظرة خاصة لتاريخ بلادها مع الإنجليز. تنفعل ديانا أمام تراجع حسنات في علاقته معها وكانت قد ابلغته أمه عبر احد الدبلوماسيين الباكستانيين أنها لا تحبذ الزواج لأنها مطلقة ولاعتناقها عقيدة مخالفة. تصرخ ديانا  في وجهه لم تتخذ موقفا .. قل أنك لا تستطيع .. وتبتعد ديانا وهي أكثر عشقا له.. وأكثر رغبة فيه..
    تتراجع تحاول الاتصال به ثانية لكنه قد قررالانسحاب . لم تدرك ديانا ذلك فنراها تسارع إلي استخدام سلاح الغيرة لاستعادة  الرجل فيظهر لنا بشكل فج لا معني له محمد الفايد في مياه البحر المتوسط يعتلي يختا يخلب الأبصار بفخامته وفخامة راكبه, وديانا تستمتع بوقتها علي ظهر اليخت بطمأنينة وبرود .. تتحرك ديانا بحريتها مرتدية لباس اليحر والمصورن يتابعونها بعدسات آلات تصوير من منطقة سيمر منها اليخت وتلتقط صورة وهي مادة زراعيها تقبل دودي أو هكذا تبدو اللقطة.. تلتقط الموبايل ولدهشة المشاهد نراها تحادث كبير المصورين هل صورتم فيجيبها كثيرا كثيرا لينشر الخبر في كل العالم كانت محاولة فاشلة لاستعادة حسنات كما يبرر لنا المخرج سر علاقتها بدودي ويحاول أن يهدينا هذا التفسير ليبرر تعدد علاقات السيدة الأميرة جلبت عليها الصورة الكثير لكنها لم تجلب حسنات وأضاعت دودي أحيانا يكون اللعب بالحب مدمرا.
      أيا ما كان الأمر تعمد الفيلم إهمال دور محمد الفايد في حياة الأميرة فجاءت مساحة دوره في حياتها أقل من الحقيقة تلك الحقيقة التي احتلت أكبر مساحة في عناوين الصحف. وكنت أتطلع إلي أن يقوم بدوره ممثل مصري لكن يبدو أن المخرج تجاهل الأمر عمدا فجاءت شخصية الفايد بلا روح. بينما برعت ناعومي في تقمص شخصية ديانا إلي حد بعيد بدت كأميرة حقا في رحلاتها من أجل الحرب علي الإيدز ونزع الألغام لقد نجحت  في تقليل الفارق لتكون شبيهة ديانا وحرصها علي إداء نفس تصرفاتها ووقفاتها أمام الكاميرا والخجل الذي ترسمه عينا الأميرة حتي صار كعلامة مسجلة دالة عليه طلتها والاكسسوارات التي كانت تستخدمها وحقيبة اليد والملابس وألوانها  غير أن كل ذلك الحرص كان ظاهريا  بعيدا عن عمق الشخصية فلم يسبر أغوارها. لكن يحسب لنعومي في رأيي اجتهادها في إعطاء المشاهد الاحساس بأنه أمام أميرة تركزت صورتها في مخيلته تماما. وفي لحظات العشق الحميمة كانت كأي عاشق يذوب في هوي المعشوق...
   

    تجدر الإشارة إن الفيلم لم يصادف هوي في نفوس النقاد وحقق فشلا ذريعا فكثيرة هي الانتقادات التي وجهت إليه , كتب بيتر براد شو في الجارديان " مسكينة هي ديانا, الفيلم لا يطاق", بينما كتب كريستوفر تووكي بالديلي ميل" إنه فيلم سئ للغاية", ولا شك أن تلك الانتقادات وغيرها كثير صائبة إلي حد بعيد , حيث كانت المعالجة سطحية لا ترقي إلي تراجيديا حقة عاشتها الأميرة الجميلة التي كانت بسمة أمة فصارت دمعة عالم, لقد عاشت بالفعل تراجيديا مكثفة علي مدي عامين.. مر بحياتها خلالها رجلان وانفصل عنها أمير... تلك هي قمة المأساة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق