الملكة
++++++++++++++++++++
د. فتحي عبد العزيز محمد
يتناول فيلم " الملكة" جانبا من حياة
ملكة بريطانيا اليزابيث الثانية (هيلين ميرين), وقد حرص المخرج ( ستيفن فريرز)
البريطاني الأصل علي أن تبدأ اللقطات الأولي بالتركيز علي وجه الملكة وهي جالسة
بكامل زيها الرسمي أمام رسامها الخاص وكأن المخرج يبعث برسالة خاصة أنه سيقدم بشكل
متنامي رسما لشخصيتها. لتكتمل اللوحة ويبدأ الفيلم..
ويري النقاد أن ستيفن فريزر هو الشخص المناسب
الذي يمكن أن يعتمد عليه في إعطائنا احساس
بالتعاطف عند تناول المواقف المعقدة خاصة فيما إذا كانت قيم الإنسان علي المحك.
بينما يتحدث عن ذلك المخرج أيضا كاتب سيناريو الفيلم بيتر مورجان متعجبا من طريقة
قيادته لمجموعة العاملين معه قائلا: أفضل طريقة أن تكون صاحبا له لأنك بذلك لن
تقتله أنه يعمل بمهارة عالية يثني عليك ليستخرج أفضل ماعندك بطريقة رائعة ..
وككاتب سيناريو تتمتع مع فريزر بعلاقة متينة عندما تمضي الأمور علي الوجه
المأمول.. والعكس صحيح.
يمكن إذن الإشادة بهذا الفيلم من
هذا المنطلق سيناريست موهوب ومخرج مبتكر مما يصنع عملا قويا في ظل وجود فريق من
الممثلين علي قدر رائع من الموهبة والأداء بل والابهار وهنا أشيد بفن الممثل في
السينما البريطانية ذلك الممثل الذي يسخر أدواته لأداء الشخصية بحرفية ولا يمتلك
لازمة يكررها في كل أعماله أو قالبا يطرح الشخصية من خلاله بل هو متجدد دائما.
برزت في ذلك هيلين ميرن التي تقمصت بجدارة دور الملكة اليزابيث الثانية وكأنها
ولدت لتكون كذلك إلي الحد الذي أبهر زوجها وهو بالمناسبة مخرج فداعبته ضاحكة لا
تخف لازلت أذكر أنك زوجي. كما برع الممثل
مايكل شيين في لعب دور رئيس الوزراء توني بلير والذي استغل لبراعته تلك للقيام
بدور بلير في فيلم آخر. بينما قام الممثل جيمس كرونويل بإداء شخصية الأمير فيليب
زوج الملكة بشكل طبيعي غير متكلف, بينما قامت البارعة ستيفيا سيمس بإداء دور
الملكة الأم ويطول الأمر فيما يتعلق برقي الأداء لباقي الممثلين وكما قدمنا فليس
كل ذلك إلا لوجود قائد للعمل يعتمد عليه فيما يتناول.
تدور أحداث الفيلم في فترة شهدت أوضاعا متقلبة وأحداثا صاخبة وهي الفترة
التي أعقبت الحقبة التاتشرية نسبة إلي رئيسة الوزراء مارجريت ثاتشر المعروفة
بالمرأة الحديدية , وقد فاز توني بلير بمنصب رئيس الوزراء ( المنتخب ) كما تصر
الملكة علي تلك الإضافة فهو لن يكون رئيسا للوزراء إلا بعد اللقاء الرسمي له
معها ذلك اللقاء الذي تجري له الاستعدادات
من قبلها ومن قبل توني بلير الذي يستقبله المنوط به الإجراءات البروتوكولية ليشرح
له كيف يدخل في معيته إلي صاحبة الجلالة كيف ينحني ليس بكامل جسده بل بالرأس فقط
كيف سيجلس أمامها وفي حضرتها قالت له ـ بما يدل علي شدة تمسكها بالتقاليد الملكية
العتيقة ـ تذكر أنك رئيس الوزراء رقم عشرة ممن جلسوا هنا.. لقد جلس تشرشل أمامي في مقعدك هذا . فهم بلير
المقصود ليخرج بعدها إلي عشرة داوننج ستريت مقر رئيس الوزراء .
لم يستمتع بلير بإقامة هانئة في
المقر الجديد سوي أشهر معدودة لتقع حادثة مصرع أميرة ويلز وقع الصاعقة ليس عليه
وحده فحسب وإنما علي القصر الملكي, كانت ديانا برفقة دودي الفايد في باريس عندما
اصطدمت سيارتهما في جدار نفق أثناء محاولتهما الهرب من مطاردة الصحفيين لهما.
ما يلفت الانتباه هو كيف برع
كاتب السيناريو في نقلاته بين شخوص الحدث القصر الملكي ورئيس الديوان يحاول إخبار
الملكة بالحادث الذي وقع في وقت متأخر من الليل لتستيقظ الملكة وزوجها والملكة
الأم ويتسائل زوج الملكة لا عن كيفية الحادث إنما عما كانت تفعل ديانا في باريس؟
ويجتمع الكبار في القصر الملكة وزوجها والملكة الأم والأمير شارلز وكل همهم ألا
يصل الخبر إلي ابني ديانا .. يصل الخبر أيضا إلي بلير وتستيقظ زوجته شيري علي رنين
الهاتف. يبدي قلقه وتعازيه عندما يصل القصر.
اختلف مسلك الملكة عن مسلك توني
بلير.ليظهر لنا خطين متصارعين كانت الملكة
ترغب في مراسم دفن خاصة بينما يحاول بلير أن يزرع بداخلها فكرة مراسم دفن رسمية.
من أجل شعب الملكة لترد أنا أدري بشعبي. كانت الملكة تري أن ديانا بعد طلاقها من
الأمير شارلز لم تعد من العائلة الملكية, لذا فلا توجد ضرورة للمراسم الجنائزية ..
نلحظ طوال الوقت وبشكل متصاعد في مشاهد
خارجية من يأتي من الناس ليضع علي أسوار القصر باقات ورد تتزايد لتصير اكواما.
كانت الملكة ترغب في النأي بالقصر عن الحدث ككل بل وقد عارضت ذهاب شارلز إلي باريس
للعودة بجثمان ديانا لكنه ذهب ليكون بجوارها في لحظات حزنه المكتوم. وفي الوقت
الذي يكثف فيه الإعلام علي نشاط أميرة القلوب وجولاتها من أجل الأطفال والمرضي
ومخلفات الحرب العالمية الثانية تبتعد الملكة عن الساحة إلي بيتها الريفي ولكنها
لم تتمكن من النأي بنفسها عن الحدث الأهم وقد تصاعد تساؤل الرأي العام حول اختفاء
الملكة أليس من اللائق أن تتعاطف مع أولئك الحزاني لموت ديانا تتلقي مكالمة من
بلير لتحضر إلي لندن لتسير بين الورود التي أهداها المحبون لروح ديانا ويبدو أن
الغيرة لعبت دورها عندما وقفت طفلة تحمل ورودا وتسألها : هل هذه لديانا , تجيبها
الطفلة كلا هي لك فانفرج ثغرها عن ابتسامة فرحة. أيا ما كان الأمر لازال هناك مطلب
آخر من قبل الرأي العام هو تنكيس العلم فوق قصر باكنجهام .. الا تستحق ذلك أميرة
بحجم ديانا أهدت الأسرة المالكة حفيدين و عانت في حياتها الزوجية مع شارلز.. الرأي
العام إذن يهز تقاليد القصر التي يجب أن تواكب العصر.
تقتنع الملكة مؤخرا بعد جهد جهيد
من جانب توني بلير لتقام مراسم الوداع الأخير لأميرة ويلز ذلك الوداع الذي حضره
محمد الفايد, وحضره رغما عن التقاليد كبار المشاهير وأصحاب بيوت الأزياء ومغني فريق
البيتلز..
ليأتي المشهد الأخير تستقبل
الملكة توني بلير ويسيران في حديقة القصر لم تخبره أنها فعلت ذلك استجابة لطلبات
ذكرها علي مسامعها وهي في الريف..لكن نتيجة ايمانها بضرورة التغيير ثم داعبته
قائلة لكن لاتنس أن من يعطي النصيحة هي الملكة.... تتهادي خطواتهما كما تتهادي تدريجيا إلي حد
الصمت تلك الموسيقي الرائعة التي صاحبتنا طوال الفيلم.
يمكننا في النهاية أن نصنف
الفيلم ضمن الأفلام السياسية التي تعالج منطقة هامة تتمثل في عراقة التقاليد
وضرورة المؤائمة بين متغيرات العصر. العلاقة بين الملكية والسلطة التنفيذية
والإثنين معا في مواجهة الإعلام الذي كان العامل الفاعل لإحداث ذلك التغيير.






